الأخبار

"العنف الطلابي"..من المُذنب ولماذا لا نُقر بالعور التربوي القار فينا"!

 



كتب بلال الذنيبات

مثلت حوادث العنف الطٌلابي الأخيرة، مساحة للجدلية في الحوارات العامة، فيما نتج عن تلك الحوادث عقوبات ليست بمجلمها عادلة، وربما بعضها كان تحت وطأة "الترند"، الذي رافق تلك الحوادث.

في أحد تلك الحوادث، أقيل أذن المدرسة، رغم أن مكان الحدث يعتبر مكانًا مفتوحًا، وليسَّ مُغلقًا، ولم يرد أن حوادث مماثلة وقعت في ذات المكان، ما يعزز الزعم بفردية الحالة، وفي مؤسسات تفتقر للعقل المُخطط، والبارز في حوادث متفرقة، يبقى تحميل الإبقاء على الغرفة مفتوحة أمرٌ غاية في عدم العدالة.

"لماذا"، وهذا السؤال الحقيقي الذي يجب الإجابة عنه، والحل هو في إجراء دراسة الحالة لا غير، إذ تساهم دراسات الحالة على تشكيل صورة حول الحدث، وفهم دوافعه، كي يصار الإفادة من الحادثة وتجنبها، وضمان عدم تكررها، أو محاولة الحد منها، علمًا أن العنف متأصل في الثقافة البشرية، وعلى اختلاف المجتمعات.

إن الحادثة المشار إليها، والحاجة لدراسة الحالة تقوم بالأساس على مطالعة محاضر التحقيق، ودراسة الخلفية الاجتماعية والثقافية والأسرية والنفسية للحادثة، وهذا مناط بالأخصائي الاجتماعي في مراكز الشرطة أو العيادة النفسية عمومًا.

في طبيعة الحال، ومع أن مثل هذه المعلومات تبقى في إطار المؤسسة الأمنية والطبية بشكل خاص، إلا أن العقوبات يجب أن تحظى بالإشهار، إذ أن الإبقاء على العقوبات طي الكتمان، أو على هامش التغطية الإعلامية، لا تنفع مكافحة العنف الطلابي عمومًا، وتبقى الحالات المرتبطة بهذه الظاهرة متواجدة، وربما تشهد في حالة اللامعيارية التي نعيشها في مجتمعاتنا، تزايدًا مُلفتًا.

ومع تراجع دور الأسرة، على حساب سطوة  "الهاتف النقال"، كأداة تربية تفتقر للمعيارية، وإنشغال المؤسسات البنيوية في الصراع حول الوظائف البيروقراطية خاصتها، بدلاً من القيام بواجباتها المتمثلة بالتربية والتعليم، والمنسجم مع البيئة الاجتماعية، يبقى الناشئة نهبًا لإكتساب قيم الهاتف النقال، والقائمة وفق ثقافة الشّباب اليوم، على العنف والجنس، ممثلاً بألعاب الببجي وخلافها، ثم  النتفلكس، كحاملين لقيم الجنس والعنف معًا، في خضم مجتمع متحول.

والمجتمع الأردني، ومع صعود التحول نحو العلمنة والرقمنة، أمسى مجتمعًا متحولاً، يفتقر للمعيارية، إذ لم تنجح المؤسسات البنيوية في إستعادة غرس القيم التقليدية مجتمعيًا، مثل مهابة المعلم، وإحترام الكبير مثلا، ولا هي غرست قيم العلمنة، والقائمة على الفردية المسؤولة، وقيم التفكير الناقد، وعدم اللجوء للعنف كخيار لمواجهة الأزمات والمواقف والمشاعر عمومًا.

ومع تراجع قيم العلم والمعرفة المرتبطة بالمدرسة، وتحول المدرسة لمجرد مكان للتجمع، والحصول على الشهادات الخالية من مضمونها-إلى حدٍ ما، وتأخر تضمين الفلسفة في المناهج، كأداة لبناء التفكير، والإنعزال بين المدرسة بقيمها، والعلم القائم على التقنية والتفكير المرتبط بها، وتعزز الثقافات القائمة على المُغالبة، ما عزز سلوكات العنف، مع عدم نجاح التمثيليات الطلابية في القيام بدورها الإنضاجي للطلاب.

ثم وأن غياب روحانيات الشهر الفضيل، وتحول الشهر بالنسبة للبعض، كفترة زمنية شاقة، يتم فيها المسابقة نحو عملية الوصول للبيت، فترى سيارة مسرعة قبيل الغروب بدقائق، تعبيرًا عن تأثيرات الدخان مثلاً، على عصبية البعض، والتعبير عن الإرهاق المسوغ بالجوع، وغالبًا تأثيرات الحاجة للدخان والقهوة، كمادتين معززتين للعصبية خلال الشهر الكريم.

كل تلك الفواعل، من شأنها خلق صورة واضحة عن مشهدية العنف الطلابي، ولا ننسى أن الأسرة ذاتها، وعبر الطلب من المدرسة بالتخلي عن التربية، والتمنع عن توجيه التقريع للطلبة على أفعالهم، والمبالغة في التدليل من قبل المدرسة والبيت، أنتجت أطفال مشوهين تربويًا، وغير ناضجين سلوكيا، وفاشلين تعليميًا.

ولا يمكن ربط هذا التحدر لدى الطلبة، بخلفيات الفقر والبطالة، أو التحديات، فالملاحظ أن الأطفال من ذوي خلفيات تعاني من التحديات، أكثر قدرة على تحمل المسؤولية، من أقرانهم المدللين، والذين يحصلون على كل شيء بلا تعب، ولا حاجة للسعي، إذ أن الأب والأم، يوفران كل شيء للطفل، ويوفران له الحماية، والتصديق لكل ما يقول، ويدافعان عنه أمام المعلم، الأمر الذي يجعله آمنًا من العقوبة، ومستقويًا بذويه وأقاربه.

إن مُجرد شعور الطفل، بأنه محمي مهما فعل، مع ثقافة غلبة أبي للأخر، بحكم التجارب السمعية والبصرية للطفل، والتي تقول أن الكبار يحمونه في كافة الظروف، وأنه لن تطاله العقوبات مهما كانت أفعاله، تدفعه للسلوك العنيف، مع ما يحفز ذالك من ثقافة كن ضاربا لا مضروبا.

 (الذنيبات نيوز)

 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-